ما غاب عن عباقرة التحليل السياسي في روسيا!

قياسي

كتب مازن عباس

تنشر وسائل الأعلام الروسية بحماس منقطع النظير، آراء محللين وباحثين روس يتم تقديمهم في الغالب على أساس أنهم “خبراء” في قضايا الشرق الأوسط.

ولا يقتصر انحراف تقييم المحللين الروس في التصميم على المراوحة في مربع إلصاق “تهمة الثورة” بالتيارات الإسلامية أو بـ”مراكز سرية أميركية”، وإنما باتت تتخذ بعدا أكثر إثارة بتبنيها موقفا عنصريا من الشعوب العربية لا يواري خبثه في التعامل مع الشعب باعتباره “قطيعا متخلفا” يحتاج لمن يعلمه السياسة والثورات.

وذهب بعض المحللين الروس إلى أن “الربيع العربي” ليس نتاج حراك اجتماعي وشعبي طامح إلى مزيد من الحرية والديمقراطية، بل ناجم عن “حرب إعلامية اصطنعت واقعا وهميا أدى إلى سقوط أنظمة إيجابية في تونس وليبيا، ويهدد حاليا نظام الأسد في سورية، كما قال أخيرا، خبير قدم نفسه بصفته رئيسا لأكاديمية العلوم السياسية في موسكو.

ويكفي لتلمس قصور الباحثين الروس في دراسة المتغيرات المتسارعة في المنطقة، الوقوف عند إصرارهم على التعامل مع التيارات والجماعات الإسلامية في المنطقة العربية كظاهرة موحدة متحدة تطغى عليها ملامح التطرف، ما يجعل مجرد وجودها في ساحات الثورات العربية “خطرا” بحسب ميخائيل روستوفسكي الذي أتحفنا بسلسلة مقالات مسمومة كان أحدثها بعنوان “الوجه اللاانساني للربيع العربي”.
ومن أبرز مكامن الخلل عجز هؤلاء الباحثين عن دراسة نشأة وتاريخ الإسلام السياسي، ومساره عبر منعطفات الحركات الجماهيرية على مدار قرن كامل.
إذ يتجاهل هذا الفريق من المحللين نشأة الإخوان المسلمين كحركة إصلاحية في مصر بدايات القرن الماضي، وتطورها وانخراطها في العمل السياسي عقب الحرب العالمية الثانية، ومن ثمة انتقالها من آليات النشاط الانقلابي والعنفي إلى العمل السياسي. ويتعمد هذا الفريق الخلط بين السلفية والسلفية الجهادية التي ظهرت في أفغانستان بقيادة أسامة بن لادن، ولا يعيرون الخلاف الذي فجر تجمعات “القاعدة” بين الشيخ عبد الله عزام وجماعات السلفيين الجهاديين بزعامة بن لادن.

وإذا كان المثل الإنجليزي يقول إن التعميم لغة الحمقى، فإن هؤلاء المحللين ليسوا حمقى بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، بل يلعبون دورا في خلق حالة من الصدام بين المجتمع الروسي والمجتمعات العربية الجديدة الواعدة بمنطق سياسي يقترب نحو الديمقراطية.

ورغم أن تجاهلهم المطلق للخلافات المنهجية والسياسية العميقة بين مختلف الفرق والجماعات يدفع إلى اتهامهم بالجهل، لكنهم بكل رضى يقبلون هذا الاتهام في مقابل تفجير حالة من الصدام المتعمد، وتحقير كفاح شعوب الشرق الأوسط بتكريس صورة عنصرية عن هذه الشعوب، لا تختلف عن منطق نظريات النازية والعرق الآري.

وهو أمر برز بوضوح في كتابات يوري شيغلوفين “الباحث” في معهد الشرق الأوسط الذي تساءل في واحدة من مقالاته :من علم العرب الثورة؟ وذهب في مقالة أخرى إلى حدود التباكي على إسرائيل الذي هاجم المتوحشون قنصليتها متجاهلا أن طائرات اسرائيل قصفت قبل يومين من ذلك أراض مصرية وقتلت خمسة جنود.

ما تقدمه كبريات وسائل الإعلام الروسية يثير الدهشة بكل المعايير، ليس فقط بسبب النقص الهائل في المعلومات، وإنما أيضا نتيجة ضعف أو تصرف كتاب المقالات ” الباحثين” لحساب مصالح ما في قراءة الواقع العربي ودوافع ثورات شعوب المنطقة. ما يطرح تساؤلا حول جدية إطلاق صفة المحلل على كاتب المقالة، الذي تبين أنه يجهل الكثير بدءا من أن الحركة السياسية المعاصرة في مصر نشأت مع بدايات القرن التاسع عشر، وعلى مدار نحو مائتي عام تشكلت أحزاب سياسية عبرت عن رؤى برنامجية ليبرالية ووطنية وقادت حراكا جماهيريا واسعا أفرز عدة ثورات اجتماعية وسياسية، لعل أبرزها ثورة 1919 التي سميت “ثورة الهلال والصليب”. ويجهل الباحثون الروس أن البرلمان المصري ظهر قبل مجلس الدوما الروسي بنحو سبعين عام، ولا يعرفون أيضا أن حشد الجماهير في مواجهة الحكام عبر عرائض وبيانات جمع عليها توقيع مئات الآلاف المصريين كان من أهم أدوات الثورة العرابية في النصف الثاني من القرن التاسع عاشر والتي قامت تحت شعار”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

ولعل دراسة دوافع وخلفيات حادثة الهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة في وسائل الإعلام الروسية، والتي جاءت بعد ارتكاب الجيش الإسرائيلي جريمة قتل حرس الحدود المصريين، اعتمدت في تحليلاتها على نظرية المؤامرة التي طالما سيطرت علي تقييم المحللين الروس لربيع الثورات العربية. تلك النظرية التي تكرس مفهوم مؤامرات النخب الحاكمة كعامل أساسي ورئيسي في تحديد مسار التطورات السياسية، وتتعامل مع الحراك الاجتماعي والشعبي بمنطق القطيع…

وتم بشكل متعسف لوي ذراع الواقع والحراك الشعبي والمزاج الشعبي المعادي لإسرائيل، بسبب تراكمات ناجمة عن سياسات تل أبيب العدوانية، والتي يكفي أن نذكر منها جريمة إعدام الأسرى المصريين وقتل أطفال مدرسة بحر البقر ولائحة طويلة من المذابح ضد الفلسطينيين لا تبدأ في دير ياسين ولا تنتهي في صبرا وشاتيلا، بالإضافة إلى حرب 2006 العدوانية التي هزم فيها الإسرائيليون بعد أن قتلوا آلاف المدنيين اللبنانيين، وأخيرا وليس آخرا جريمة حصار غزة ومذبحة 2008 التي نفذها “جيش الدفاع” ضد المدنيين العزل في القطاع.

كل هذه الأحداث، لم ير فيها المحللون الروس منبعا لتراكمات شكلت موقفا شعبيا معاديا للحكومة الصهيونية، ورافضا لمعاهدات “كامب ديفيد” التي لم تقدم للشعب المصري سوى إجباره على ابتلاع جريمة قتل جنوده الذين يحرسون حدود البلاد عدة مرات دون أن تقدم حكومة تل أبيب حتى اعتذارا رسميا.

وتبلغ عبقرية نظرية المؤامرة لدى العديد من الكتاب في وسائل الإعلام الروسية ذروتها عندما يتحدث جهابذة التحليل السياسي عن مؤامرة إعلامية تستهدف الإطاحة بالحكومات العربية لإثارة الفوضى في المنطقة، بل ويعتبر هؤلاء الذين عادة يحملون مسميات خبراء أن ما أسقط نظام بن علي وحكم القذافي هو التضليل الإعلامي، وضخ المعلومات الكاذبة لقطاعات المجتمع. لا يخجل هؤلاء من ترديد عبارات مثل أن شعوب تونس ومصر وليبيا وسورية كانت تعيش في ظل أنظمة مستقرة وبها مساحة من الحرية، ولم تعان من أزمات اجتماعية واقتصادية عاصفة، وبالتالي ينفون وجود مبرر لثورات الشعوب ضدها.

يرفض العديد من هؤلاء المحللين أن يدركوا حقيقة علمية وتاريخية، تقول إن تطور المجتمع البشري يسير عبر مسار حلزوني، وينتقل بالوعي البشري والمجتمعي دائما لمراحل متطورة. في ظل ثورة معلوماتية وعلمية حولت العالم بالفعل لقرية صغيرة. لم تكن شبكات التواصل الاجتماعي مجرد سبيل للحوار، بقدر ما هي سبيل للتعرف علي حياة المجتمعات الأخرى. هذه المعرفة دفعت المواطن العربي للخروج من عالم الوعي الافتراضي إلى الحياة الواقعية، بهدف إرساء أسلوب جديد إنساني في حياة مجتمعاته يمارس من خلاله حقوقه الطبيعية، ويستعيد إنسانيته المهدورة في ظل أنظمة ديكتاتورية قمعية.

وقد يكون هذا هو بالضبط ما يفزع هذه الجماعة من الباحثين الذين يروجون لمفاهيم أخرى، ويحومون في كتاباتهم حول أمن ومصالح دولة بعينها في المنطقة.

يخطئ من يعتبر أن ربيع الثورات العربية، وانتفاضات الشعوب العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية، التي سطرت أروع ملاحم البطولة والبسالة لشعوبنا العربية كانت في مواجهة المخطط الإمبريالي – الصهيوني أولا…!

وهذه العبارة لا تنفي كون هذه الثورات معادية للنهب الرأسمالي، وتنقل مهمة تحرير الشعوب من الاستغلال السياسي والاقتصادي لشعوبنا إلى مرحلة ثانية أو ثالثة. ولا يمكن تجاهل حيوية وأهمية هذه المهمات، لكن انجازها لا يمكن أن يتحقق قبل أنجاز مهمات أخري تضع الأساس الذي سيقوم عليه النضال ضد مساعي الاحتكارات فوق القومية للهيمنة على مقدرات شعوبنا.

وإذا كانت القيادات السياسية في أواخر القرن الماضي تعودت أن تضع في بند أولوياتها مواجهة المخطط الإمبريالي كمنطلق أساسي في كافة تحليلاتها للأوضاع في البلاد العربية، ما دفعها إلى غض البصر غالبا عن حرية وكرامة وإنسانية المواطن لحساب التصدي للمخططات الإمبريالية، وكان يتم تبرير سياسات هذه الأنظمة القمعية تحت شعار مواجهة الإمبريالية والصهيونية.  فقد طرح “ربيع الثورات العربية” رؤية جديدة للتحرر والاستقلال تعتمد بالدرجة الأولي على حرية المواطن وتحريره، وتمكينه من ممارسة حقوقه السياسية والمدنية وصولا إلى أهمية بناء دولة مدنية ديمقراطية، بعبارة أخري “ربيع الثورات العربية” لم يكن ضد الامبريالية والصهيونية.. وإنما من أجل الحرية والكرامة والعدالة، ولكي يستعيد المواطن البسيط إنسانيته وأبسط حقوقه المهدورة، ما يعطي اليوم مصداقية لمقولة قديمة ( أن الطريق للقدس يمر عبر العواصم العربية).

ونبحث سويا عن إجابة لسؤال أساسي..هل يمكن تحرير الوطن دون تحرير المواطن؟؟ هل يمكن لشعب يعيش في ظل ديكتاتور دموي وقمعي أن يخوض صراعا ضد الإمبريالية والصهيونية من أجل الاستقلال؟ ولمن هذا الاستقلال؟؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s