الإعلام الروسي.. تغطية الثورات العربية أم التغطية عليها

قياسي

الإعلام الروسي.. تغطية الثورات العربية أم التغطية عليها؟
لا شك في أن المتابع للمواقف الروسية حيال مسار وتطورات ربيع الثورات العربية سيصاب بحيرة وربما بالريبة أيضا. إذ لا تبدو عناصر وخلفيات موقف موسكو الرسمي تجاه ثورات الشعوب العربية واضحة ولا مبنية على أسس محكومة بضوابط معينة.

كتب مازن عباس

ومنذ تفجر شرارة الثورة المصرية بدا الموقف الروسي مرتبكا، ويحمل في ثناياه حالة عداء للاحتجاجات الشعبية عبرت عنها الدبلوماسية الروسية في تصريحات مختلفة، ومن خلال صياغات تنوعت في ألوانها لكنها كانت تجمع على تقديم الحذر والخشية، إذا لم نقل الانتقاد الواضح والمباشر للحراك الشعبي.

وإذا كانت الثورة المصرية أوفر حظا من بقية الثورات العربية في حصولها على تأييد روسي جاء متأخرا وغير محدد المعالم، ولم يترجم في إجراءات تنم عن الرغبة في دعم النظام الجديد الذي ولد من رحم هذه الثورة، فإن الثورات الشعبية في ليبيا وسورية واليمن، اصطدمت بصخرة الإصرار الروسي على ضرورة انصياع شعوب هذه البلدان إلى حكامها، نظير بعض الإصلاحات والمكاسب السياسية التجميلية التي لا تزيد في جوهرها عما حصلت عليه شعوب شرق آسيا مثلا، منذ نصف قرن.

وكأن قدر الشعوب العربية الذي ارتضته موسكو لها يتمثل في الخضوع لكل أشكال القهر والقمع والاستبداد.

ثم تراجعت هذه السياسة بعض الشيء لتحاول على استحياء التعاطي مع أطراف معارضة في هذه البلدان بهدف “الإطلاع على مطالبها ورؤيتها السياسية لمستقبل بلادها والمشرق العربي” بحسب الموقف المعلن في روسيا بعد إجراء اتصالات مع المعارضتين السورية والليبية.

أقل ما يقال في هذا الوضع إنه كشف عن ازدواجية في مواقف روسيا، تقدم فيها موقف الكرملين عن مواقف الدبلوماسية الرسمية في شكل ملحوظ.

وكان من الطبيعي أن تواجه مواقف موسكو بانتقادات حادة في البلدان العربية، من جانب محللين وسياسيين أو من جانب المتظاهرين السلميين أنفسهم الذين يصنعون ثوراتهم والذين قاموا بإحراق الأعلام الروسية في الساحات العامة ليسجلوا سابقة في تاريخ علاقات العرب مع روسيا.

يرى البعض أن رد فعل الشارع العربي على مواقف موسكو استند لرؤية سطحية، اعتبرت أن مواقف روسيا تجاه الثورات العربية تعكس ما وصف بأنه “تورط روسي في محاولات الغرب لإجهاض هذه الثورات” عبر محاولة إفراغها من مضمونها الشعبي وتجاهل مطالبها المشروعة.

لم يهتم الباحثون العرب بتتبع منطق السياسة الروسية المعلن في تحديد مواقف موسكو من التطورات الجارية في المنطقة العربية، والذي يستند كما يقول الروس إلى ما يمكن أن تمنحه التغييرات الجارية في البلدان العربية من مساحات نفوذ للغرب. في المقابل تجاهل المنطق الروسي العناصر الأساسية لهذه الثورات، والتي تتمثل في طغيان الإرادة والطموح الشعبيين للتغيير وتحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية في هذه البلدان.

بدا واضحا أن الرؤية البراغماتية الضيقة والمعبرة عن مصالح محدودة للشركات الروسية هي التي سيطرت على الموقف.

إذا كانت عناصر الموقف الرسمي واضحة برغم أنها تثير في كل الأحوال الحيرة، فإن مواقف الإعلام الروسي ظلت تراوح بين جدران الريبة.

ومنذ انطلاقة “الربيع العربي” حاولت وسائل الإعلام الروسية على اختلاف مشاربها إلصاق تهمة ارتباط الثورات بمركز محرك في واشنطن، وأصرت على تشبيه الحراك الجاري بالثورات الملونة التي شهدتها بعض بلدان الفضاء السوفيتي السابق مثل الثورة “البرتقالية” في أوكرانيا وثورة “الورود” في جورجيا، وبدا واضحا أن القائمين على وسائل الإعلام الروسية إما تجاهلوا بشكل متعمد أو وجهوا لتجاهل عدد من الحقائق الأساسية وبينها:

– أن الحراك الشعبي الهائل الذي شارك في الثورات العربية لا يمكن أن يرقي إليه حجم أي تحرك جماهيري في الثورات “الملونة” ولا حتى يمكن أن يصل إلى نسبة عشرة في المائة منه.

– وأن الثورات العربية شهدت حال صراع تناحري مع السلطة أدت لسقوط آلاف الشهداء وهو أمر لم يكن له نظير في الثورات الملونة التي بقيت بيضاء في غالبها.

– وأن ثورات المنطقة العربية بخلاف “الثورات الملونة” أعلنت موقفا رافضا وواضحا لا يقبل الجدل بشأن سياسات ومخططات الغرب في المنطقة.

– أن واحدة من المشكلات الأساسية التي أسفرت عن خروج الجماهير إلى الشارع العربي تتمثل في ارتباط الأنظمة الاستبدادية بمخططات الغرب وتحديدا الولايات المتحدة.

– وأخيرا، أن الرؤية السياسية التي تمثلت في الشعارات المرفوعة في الثورات العربية تمحورت حول بناء الدولة المدنية الديمقراطية المعاصرة.

كل تلك العناصر لم يكن لها انعكاس في وسائل الإعلام الروسية التي رأت في ما يجري في العالم العربي “مؤامرة” تهدف (من بين ما تهدف) إلى “إضعاف روسيا وتطويقها جنوبا” بحسب نظرية فرويدية مجنونة في نرجسيتها أطلقها واحد من الذين يوصفون بأنهم من خبراء السياسة الروسية.

اللافت أكثر أن بعض تغطيات وسائل الإعلام الروسية طغى عليها منطق عنصري قبيح، يصنف شعوب العالم في خانات ويضعها في درجات متفاوتة.

فمنها من اعتبر أن “تلك الشعوب (العرب) متخلفة… ولا يمكنها أصلا بناء مجتمعات ديمقراطية” ناهيك عن أنها (الشعوب العربية) “تفقد القدرة على استيعاب مناهج إدارة المجتمعات الحديثة” كما قال واحد من الباحثين في معهد الشرق الأوسط.

لكن المشكلة الأخرى تمثلت في أن “تحليلات” وسائل الإعلام الروسية كشفت عن جهل كامل بتاريخ منطقة الشرق الأوسط ومسار الحراك السياسي وتاريخ الحياة البرلمانية الثري فيها.

إذ تبين أن الروس لا يعرفون مثلا، أن النشاط البرلماني التعددي بدأ فى مصر منذ العام 1829، وفي سورية في عشرينات القرن الماضي، وفي تونس منذ العام 1890.

هذا عن نظرية “المؤامرة” التي سيطرت على تغطيات وسائل الإعلام الروسية، أما “الخطر” الثاني الذي شغل بالها كثيرا، فهو التحذير من مخاطر الثورات التي سوف تفتح الطريق أمام التيارات الإسلامية لتسلم مقاليد السلطة في البلاد.

المؤسف أن الإعلام الروسي تبنى منهج التهويل والإثارة في هذا الملف، وهو لعب دورا تكميليا لدور بعض من يوصفون بأنهم خبراء ومحللون في التلويح بهذا “الخطر” أمام صناع القرار في الكرملين والحكومة.

لكن مسار الأحداث في الثورات العربية كشف بوضوح عن حجم تأثير القوى الدينية سواء كانت إسلامية أم مسيحية في حركة هذه الثورات وتوجهاتها، وقطع الطريق على مقولات حتمية ظهور “إمارات إسلامية” في البلدان التي تشهد حراكا ثوريا.

لقد تبين أن الإعلام الروسي يروج لنفس الأكذوبة التي اعتمد عليها الحكام الدكتاتوريون الذين انتفضت الشعوب ضد أنظمتهم، والأسوأ من هذا أنه عمل على تعزيز “اللعبة الطائفية” التي تفنن بمحاولات إشعال فتيلها، ولم يلاحظ الإعلاميون الروس الذين يفترض أنهم يتابعون التطورات الجارية أن المسيحيين المصريين أخذوا على عاتقهم حماية المسلمين في ميدان التحرير وقت صلاتهم، كما أن الذين حرسوا الكنائس ودور المسيحيين في أوقات عصيبة غابت فيها أجهزة الأمن في مصر هم شبان مسلمون.

وفي سورية سارع علويون في قرى حماة لإنقاذ جرحى الثورة السورية العزل الذين واجهوا رصاص قوات أمن النظام.

وبرغم انهيار أكذوبة “المؤامرة الأميركية” ووهم حتمية سيطرة “الإمارة الإسلامية المعادية للمسيحيين والعلويين” واصلت أوساط إعلامية روسية محاولة محاصرة الرأي الآخر، والمقصود هنا الرأي المعارض للأنظمة الديكتاتورية في البلدان العربية، وبدا ذلك واضحا ليس عبر التشكيك في شرعية مطالب المتظاهرين، وسلمية الحراك الشعبي الواسع في البلاد العربية وحسب، وإنما من خلال منع معارضي الأنظمة الاستبدادية من إيصال حقيقة ما يجري في المنطقة إلى الرأي العام الروسي، وقد ظهر ذلك في شكل جلي من خلال أسلوب التعامل مع معارضين سوريين مثلا، فتارة تم إفشال فعالية حملت عنوان التضامن مع الطفل السوري، عبر إصدار قرار مفاجئ قضى بإلغاء معرض صور كان قد تم الاتفاق على تنظيمه في مقر اتحاد الصحافيين الروس، وتارة عبر إغلاق أبواب وسائل الإعلام أمام ممثلي المعارضة السورية، وفتح الباب في المقابل واسعا أمام مؤيدي النظام الدكتاتوري لتبرير المجازر المستمرة ضد الشعب السوري في قاعات وكالات الأنباء الحكومية الروسية.

لا يمكن لأحد أن يلوم روسيا إذا اتبعت سياسات تلبي مصالح شعبها، لكن ما يجري من تحامل غير مبرر من جانب وسائل إعلام روسية على المنطقة العربية وشعوبها ومصالحها المستقبلية يدفع إلى طرح السؤال: من المسؤول عن ذلك؟ وعن أي شريك تبحث موسكو في المنطقة إذا كانت وسائل إعلامها اليوم تحرق سفنها مع صاحب المصلحة الحقيقي في المستقبل …..مع الشعب العربي ذاته!.

(المقالة تعبر عن رأي صاحبها)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s